منوعات

لماذا لا تعد المشاعر السلبية سيئة للغاية؟ وكيف تتعامل معها؟

لماذا لا تعد المشاعر السلبية سيئة للغاية؟ وكيف تتعامل معها؟

لطالما كانت لدي حساسية من المشاعر السلبية؛ إذ لا يعجبني أبداً الشعور بالحزن أو الغضب أو الخوف، إنَّما أفضِّل الأشياء المفعمة بالإيجابية والفرح، وأن يكون العالم مشرقاً وجميلاً دوماً.

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن المدونة “تريسي كينيدي” (Tracy Kennedy)، والذي تحدثنا فيه عن تجربتها في التعامل مع المشاعر السلبية.

يعود أصل طريقة تفكيري هذه إلى أسلوب نشأتي، إذ ترعرعت ضمن عائلة تسودها المشاعر الإيجابية والتشجيع والتفاؤل؛ فعند شعوري بالضيق، كنت أنظر إلى الجانب المشرق من حياتي؛ وعندما كنت أشعر بالخوف، كنت أحاول التغلب عليه؛ وعند شعوري بالحزن، كنت أتجاوز الأمر.

لا يعني هذا أنَّ حياتي كانت سهلة وخالية من الأسى والحزن والتحديات، إنَّما أنَّني لم أركز على هذا الجانب من الأمر قط، واعتقدت أنَّ كل شيء على ما يرام، حتى جاءت اللحظة التي برهنت عكس ذلك.

منذ عدة سنوات، وجدت نفسي أعاني من القلق لأول مرة في حياتي، ولم يكن مجرد شعور بسيط، بل قلقاً أصابني بالذعر وشلَّ حياتي اليومية؛ إذ لم أستطع السيطرة عليه، حتى أنَّني لم أرغب في أن يغادر زوجي ذات مرة إلى العمل صباحاً.

إن سبق وعانيت من القلق في حياتك، فستفهم مدى صعوبة الأمر؛ وبما أنَّني أتمتع بروح المغامرة دوماً، ونادراً ما كنت أختبر شعور الخوف البحت، وأتوجه دوماً نحو المشاعر الإيجابية؛ فلم تكن هذه من شيمي، ولم تكن لديَّ أدنى فكرة عمَّا يجب فعله.

إنَّ الأمر الذي تعلمته -والذي كنت أعرفه دائماً، ولكن ربَّما لم أفهمه تماماً- في أثناء تعاملي مع القلق، هو أنَّه كان مجرد إشارة تدل على أنَّ شيئاً ما لم يكن صحيحاً في حياتي، وكانت هذه طريقة الطبيعة في إخباري بأنَّني خرجت عن المسار الصحيح؛ حيث كنت دائمة الانشغال، ولم أولِ نفسي الكثير من الاهتمام، وكنت بحاجة إلى التأني قليلاً.

ربَّما لم أكن لأتأنى لو لم أتفاجأ بهذا الكم الهائل من المشاعر السلبية التي اجتاحتني؛ ولعلَّني استطعت تجاوز بعضها، إلَّا أنَّ بعضها الآخر ظلَّ مكبوتاً في داخلي.

لقد تعلمت أنَّ المشاعر السلبية ليست جيدة ولا سيئة، حتى أنَّها قد لا تكون سلبية أساساً، ولكنَّها تُشعِرنا بهذا؛ فهي جزء من حياتنا وإنسانيتنا.

علينا أن نقتنع أنَّ الحياة يمكن أن تكون صعبة ومليئة بالتحديات وعصيبة للغاية، ممَّا يؤدي إلى الشعور بعدم الراحة والسلبية؛ كما علينا أن نتعلم الاعتراف وتقبُّل واستيعاب ما تحاول هذه المشاعر إخبارنا به، بالإضافة إلى معرفة مدى قوتها وقيمتها.

قبل أن نتعمق أكثر في حديثنا، عليك أن تعرف أنَّني لست معالجة أو طبيبة نفسية، وأنَّ ما أتحدث عنه ما هو إلَّا من وحي تجربتي الشخصية مع المشاعر السلبية، وتجارب مئات الناس الذين عملت معهم، وما تعلمته من البحوث والدراسات التي قرأتها خلال السنوات الأخيرة.

إنَّني أود ألَّا أستهين بالطبيعة المعقدة للمشاعر البشرية؛ حيث درسها العديد من الفلاسفة وأطباء النفس والعلماء لآلاف السنين، وتوصل كلُّ واحدٍ منهم إلى العديد من النظريات المختلفة والمتناقضة أحياناً.

وعلى ضوء ما سبق، دعنا نستكشف بعض المشاعر السلبية، ونعرف لماذا هي ليست سلبية للغاية، وكيف بإمكاننا تقبلها كي نعيش حياة يملؤها الرضا.

ما هي المشاعر السلبية؟

إنَّ المشاعر السلبية هي تلك التي تسبب لك الشعور بالضيق بطريقة أو بأخرى، كالغضب والخوف والحزن واليأس والإحباط والذنب والخجل والاشمئزاز وخيبة الأمل، والكثير غيرها؛ حيث تنتاب هذه المشاعر الجميع، وهي موجودة سواء اعترفنا بها أم لم نعترف.

حدد العالم النفسي “بول إيكمان” (Paul Ekman) -الذي اشتُهِر بدراسة تعابير الوجه وارتباطها بالعواطف- في سبعينيات القرن الماضي ستة مشاعر أساسية، وهي: السعادة، والحزن، والاشمئزاز، والخوف، والدهشة، والغضب. إنَّ ما يثير الاهتمام في هذا التصنيف هو أنَّ أربعة من أصل ستة من هذه المشاعر تُصنَّف على أنَّها سلبية.

كما حدد العالم النفسي “روبرت بلوتشيك” (Robert Plutchik) في عام 1980 ثمانية مشاعر أساسية، وهي: الفرح، والحزن، والثقة، والاشمئزاز، والخوف، والغضب، والترقب، والدهشة؛ وتعدُّ أربعة من هذه المشاعر سلبية أيضاً.

وقد واصل كلا العالمين توسيع نطاق هذه المشاعر لتشمل العديد غيرها؛ حيث وسَّع الدكتور “بلوتشيك” النتائج التي توصل إليها من خلال تصميم “عجلة المشاعر” لتوضيح تسلسلها ودرجاتها والعلاقات فيما بينها.

لماذا لا تعدُّ كل المشاعر السلبية سلبية للغاية؟

في حين أنَّ المشاعر السلبية قد تبدو سيئة في الظاهر، إلَّا أنَّها ليست بهذا السوء بالنسبة إلينا؛ وفيما يأتي سبعة أسباب تؤكد أنَّ المشاعر السلبية ليست سيئة للغاية:

1. إنَّها مشاعر طبيعية:

دعنا نبدأ من هذه النقطة؛ فقد أصبحت المشاعر السلبية مع مرور الوقت أمراً سيئاً في ظل عالم يشجع على الشعور بالامتنان والسعادة، وهو ما أتفق معه أيضاً.

قد نخطئ بحق أنفسنا في حال لم نعترف بحقيقة أنَّ المشاعر السلبية جزء طبيعي لا يتجزأ من حياتنا، ما يجعلنا نشعر بشعور أسوأ عندما تجتاحنا؛ إذ إنَّ تعرضنا إلى تقلبات مزاجية جزء من إنسانيتنا.

2. تحمل المشاعر السلبية بين طياتها هدفاً إيجابياً:

على سبيل المثال: يمثل الخوف إشارة لنا عندما تحدث أي مشكلة، ويحمينا من الخطر، ويسمح لنا بالبقاء على قيد الحياة؛ كما يعزِّز الحزن مشاعر التواصل والتعاطف ويبني المجتمع؛ إضافة إلى ذلك، يؤدي الاشمئزاز إلى رد فعل سلبي، ويبعدنا عن الأشياء التي قد تضرنا أو تسبب العدوى لنا؛ وأمَّا مشاعر الخجل والندم، فهي تحثنا على فعل الصواب وتصحيح أخطائنا؛ وأخيراً، يمثل الغضب آلية حماية تلهمنا للعمل، وتدفعنا إلى فعل شيء لتغيير الوضع.

هذه المشاعر هي ما يمنحنا إنسانيتنا؛ حيث علينا أن نتناغم معها لتساعدنا على البقاء والنضج؛ ورغم أنَّها قد تبدو سلبية، إلَّا أنَّها تحمل بين طياتها هدفاً ومغزى إيجابياً لوجودها، ونحن بحاجةٍ إلى السعي إلى تحديد ذلك الهدف الإيجابي؛ بالإضافة إلى ذلك، تدفعنا مشاعرنا السلبية إلى النضج والتقدم لنكون شركاء وأصدقاء أفضل.

3. تمثل إشارات تحذير:

تنذر هذه المشاعر بوجود مشكلة ما، إذ تتمتع ذاتنا الحقيقية وطبيعتنا الداخلية وحالتنا الطبيعية بالسلام والهدوء والتآلف؛ ولكن عندما نخرج عن مسارنا الطبيعي هذا، تجتاحنا الانفعالات السلبية كإشارات لتخبرنا أنَّنا قد ضللنا الطريق، وكأنَّها تقول لنا: “اسمعني، هناك شيء خاطئ يحدث هنا؛ فقد خرجت عن مسار حياتك الصحيح”.

تمثل المشاعر السلبية المعتدلة نوعاً ما -كالإحباط أو التوجس أو الانزعاج- إشارات تحذيرية لوجود مشكلة ما في حياتك؛ وعندما تتجاهل هذه العواطف لمدة طويلة، تبدأ بالتصاعد تدريجياً، وتتحول إلى انفعالات أخرى كالغضب أو الاستياء أو الخوف؛ وحينما تتجاهلها وتكبتها لوقت طويل، تتحول إلى سخط أو كراهية أو قلق أو كآبة.

إنَّ هذا الأمر أشبه بطفل صغير يحتاج إلى اهتمامك؛ إذ يبدأ بشد ساقك بهدوء سعياً إلى جذب اهتمامك؛ ولكن عندما تتجاهله أو لا تعيره أي اهتمام، يبدأ بالتذمر؛ أمَّا إذا تجاهلته أكثر ولم تلبِّ احتياجاته، سيشن عليك وابلاً من الصراخ والبكاء، وينتهي به الحال إلى الدخول في نوبة غضب هستيرية.

إنَّ الخوف والقلق الذي عانيت منه كان إنذاراً متأخراً بأنَّ الطريق الذي كنت أسلكه غير مستقر؛ وحتى لو جال في عقلي الواعي أنَّني على ما يرام، فقد كنت قد خرجت بالفعل عن مساري الصحيح، وكان ينبغي عليَّ التأني.

قد لا تشير بعض المشاعر السلبية إلى أنَّنا ضللنا طريقنا أو خرجنا عن مسارنا، بل إلى أنَّنا قد اقترفنا خطأً ما؛ لذا فكر في مشاعر الخجل أو الذنب؛ فهي إشارات تخبرك أنَّك فعلت شيئاً خاطئاً أو غير نزيه.

لقد عادت ابنتي البالغة من العمر سبع سنوات إلى المنزل وهي تقول أنَّها تشعر بالخجل من نفسها، وقد كانت هذه الكلمة عنيفة للغاية؛ حيث كانت ردة فعلي الأولى مواساتها لكي تتخلص من هذا الشعور المريع؛ ولكن بعد ذلك، سألتها عن سبب شعورها على هذا النحو؛ وعندما شرحت لي ما حدث، أدركت أنَّ شعورها كان صحياً للغاية؛ حيث كان يخبرها شعور الذنب بأنَّها اقترفت خطأ ما بالفعل.

كان هذا الشعور إذاً يمثل آلية لتصحيح تلك الأخطاء، وقد تحول هدف نقاشنا من تحريرها من ذلك الشعور السيئ إلى التعلُّم من أخطائها، وفعل الصواب في المرة القادمة.

4. تحثنا على العمل:

تُعدُّ المشاعر السلبية عوامل محفزة للانتقال والتغيير؛ فعندما ينتابك شعور الغضب مثلاً، يحثك هذا على العمل لتصحيح الأمور.

تخيل أنَّك لم تستطع الحصول على ترقية في عملك، وشعرت بغضبٍ عارم. لقد كنت تشعر أنَّك تستحق تلك الترقية، ممَّا أثار غضبك عندما جرى تجاهل ذلك؛ ثمَّ دفعك هذا الغضب بعدها إلى التحدث إلى رئيسك في العمل بطريقة لائقة ومهنية عن مهاراتك وإنجازاتك ونجاحاتك لكي يتمكَّن من فهم وجهة نظرك وعدم تجاهل موضوع ترقيتك في المرة القادمة؛ إذ ربَّما لم تكن لتتحدث بهذا الوضوح لولا شعورك بالغضب.

لقد استُخدِم شعور الغضب عبر التاريخ كمحفز إيجابي للتغيير، حيث سخَّر العديد من القادة العظماء غضبهم للدفاع عمَّا يؤمنون به، والمطالبة بالعدالة والتغيير؛ حيث قال “مارتن لوثر كينغ” الابن (Martin Luther King Jr): “إنَّ المَهمَّة الأسمى هي تنظيم وتوحيد الناس حتى يغدو غضبهم قوة تحول”.

قد يصبح غضبنا قوة تحول نحو الخير على الصعيد الشخصي أيضاً (كحالة الموظف أعلاه)، أو على نطاق أوسع (مثل حالة مارتن لوثر كينغ)؛ فحينما يعاملك شخص ما أو يعامل الآخرين بإجحاف ويثير غضبك، يمكنك تسخير هذا الشعور للدفاع عن نفسك أو الآخرين في الموقف وتصحيحه.

توقِد المشاعر السلبية في داخلك حماساً هائلاً؛ حيث تحفزك على أن تكون منتجاً، وأن تحلَّ المشكلات، وتدافع عمَّا تؤمن به، وتستعيد قوتك الشخصية، وتحدث تغييرات تدفعك أنت -أو حتى المجتمع- إلى السير في اتجاه مختلف.

تعجبني مقولة “آرون غاندي” (Arun Gandhi)، حفيد “المهاتما غاندي” (Mahatma Gandhi) هذه: “وجِّه غضبك نحو الخير؛ إذ إنَّ غضب الناس أشبه بإضافة الوقود إلى السيارة؛ فهو يدفعك إلى المضي قدماً والوصول إلى مكان أفضل، ولن يكون لديك الدافع للارتقاء إلى مستوى التحدي دونه؛ فهو طاقة تفرض عليك أن تحدد ما هو عادل وغير عادل”.

5. تسمح لك بأن تحيا بكل جوارحك:

أثارت الجوانب المتناقضة والغامضة -مثل الخير والشر، والسلبية والإيجابية- من ذواتنا فضول العديد من ثقافات الحكمة القديمة والفلاسفة وعلماء النفس؛ لذا فكِّر في مفهوم الين واليانغ (Yin-Yang) في الفلسفة الصينية:

“تكون القوى التي تبدو متناقضة في ظاهرها مكمِّلة لبعضها في جوهرها ومتماسكة ومتصلة في العالم الطبيعي، كما يمكنها أن تبعث بعضها بعضاً؛ ذلك لأنَّها مترابطة فيما بينها”.

هل سبق وشاهدت فيلم “إنسايد آوت” (Inside Out)؟ أشعر بالإحراج بالاعتراف بهذا، ولكنَّني سأشاركه معك بكل الأحوال.

عندما ظهر الفيلم لأول مرة، لم أرغب أن يشاهده أطفالي؛ وسبب ذلك أنَّني لم أرغب في التركيز على المشاعر “السلبية” كالخوف والغضب والحزن، وكنت أتساءل: لماذا لم يفكروا في صنع فيلم يتكلم عن شعور الفرح؟ فالفرح شعور رائع، وإذا أُضِيفت إليه مشاعر السعادة والامتنان والحماسة، سيصبح لدينا فيلم أودُّ أن أصطحب أطفالي لمشاهدته.

لكن بعدها، شاهدت محاضرة برينه براون (Brene Brown) على منصة تيد (Ted) عن قوة التأثير، وأدركت أمراً هزَّ كلَّ كياني؛ إذ لم أدرك حتى ذلك الحين مدى أهمية أن نحيا بكلِّ انفعالاتنا، حيث تقول براون في محاضرتها أنَّنا إذا أردنا أن نحيا من أعماق قلبنا، علينا أن نختبر المشاعر بكلِّ أنواعها؛ سواءً الإيجابية منها كالفرح والامتنان والسعادة، أم السلبية كالحزن والخوف والخجل وخيبة الأمل.

لا يمكنك أن تنتقي عواطفك؛ فإذا أردت العيش بصدق، يجب أن تشعر وتعبِّر عن كلِّ مشاعرك؛ ففي نهاية الأمر، كيف يمكنك أن تستلذَّ بشعور الفرح إن لم تكن قد عانيت من ألمِ الحزن؟

لقد ذكَّرتني ابنتي أنَّ شعور الحزن هو من أنقذ الموقف في نهاية فيلم “إنسايد آوت” (Inside Out).

6. تقدِّم لنا إحساساً بالراحة:

“ما يخفيه العقل، يفضحه الجسد”؛ فعندما نحاول كبت أو إخفاء أو تجاهل مشاعرنا، فإنَّها لا تتلاشى ببساطة، بل تتغلغل عميقاً في داخلنا، وتؤرق مضجعنا، وتسبب أوجاعاً وأمراضاً في أجسادنا؛ إذ لا يوجد تفسير واضح أحياناً لتعرض الناس إلى نوبات قلبية “مفاجئة”، أو ارتفاع ضغط الدم “غير المفهوم”، أو حالات القلق “غير المتوقعة”.

يتيح لنا الشعور بكل انفعالاتنا التحرر منها والمضي قدماً؛ حيث قالت لي الطبيبة الأخصائية في تقويم العمود الفقري “روث زيمبا” (Ruth Ziemba) ذات مرة: “اختبري تلك المشاعر السلبية، ولكن لا تسمحي لها بالاستحواذ عليك”.

لقد أفادني هذا الكلام كثيراً؛ إذ نخشى جميعاً تلك المشاعر المؤلمة المتمثلة في الشعور بالذنب والغضب والحزن والقنوط، وأن نقع فريسة لليأس ونسقط في حفرة لا متناهية قد لا نخرج منها أبداً.

لقد قلقت من أن تسحبني هذه المشاعر نحو طريقٍ محفوفٍ بالمصاعب، وأن أسلك مساراً لا رجعة فيه؛ ولكن للمضي قدماً، يجب أن نشعر بهذه المشاعر ونتحرر منها؛ فبمجرد أن “نفصح عنها”، سنتحرر من قبضتها بالتأكيد.

شارك المدرب وأخصائي التدليك والحركة “ريتش روسكوبف” (Rich Roskopf) شيئاً كان له وقع عميق علي، فقد كان يدرِّس برنامج التأمل الخاص بـ “غاي أرمسترونغ” (Guy Armstrong) مؤلف كتاب “الفراغ” (Emptiness)، والفلسفة القائلة بأنَّ كلّ شيءٍ في الحياة يجب أن ينهض ويستمرَّ لبعض الوقت، ثمَّ يبدأ بالتلاشي إلى أن يختفي تماماً.

ينطبق الكلام نفسه على مشاعرنا؛ فعندما نفسح لها المجال لتظهر وتستمر لبعض الوقت، سوف تتلاشى في النهاية؛ حيث يسرق منَّا التمسك والتعلق وكبت هذه المشاعر السعادة دائماً.

قد يساعدك البكاء أيضاً؛ إذ تمكِّننا الدموع التي نذرفها في أثناء البكاء من الشعور بصورة أفضل، حيث تحتوي الدموع التي نذرفها عند الحزن على مادة كيميائية سامة لأجسادنا.

“إنَّ البكاء العاطفي طريقة الجسم لتخليص نفسه من هذه السموم والفضلات”.

7. تبني مرونتك:

كلَّما اختبرت مشاعرك أكثر، أصبحت أكثر مرونة في مواجهتها والتعامل معها؛ فقد قالت الأخصائية الاجتماعية السريرية المرخصة، ومديرة البرامج في “مركز الصحة العقلية في دنفر” (Mental Health Center of Denver) “جيسي دودلي” (Jessie Dudley):

“من خلال السماح لنفسك بالشعور بكل ما تحتاج أن تشعر به، تتعلم كيفية التأقلم، وتحديد استراتيجياتك الخاصة التي تعينك على ذلك؛ حيث تدرك عندما تجتاحك هذه الانفعالات في المرة القادمة ما يجب أن تفعله وما الذي يناسبك، وأنَّ هذا الشعور لن يقتلك. لن يخفف هذا من إحساسك، ولكنَّه سيجعلك أكثر وعياً بكيفية الاستجابة له؛ فعندما لا تبني مهارات التأقلم، ستدفع هذه المشاعر بعيداً عند شعورك بها. إنَّ التجنب العاطفي فعال إلى حد ما؛ إذ يحاول الجميع تجنب الشعور بالسوء؛ ولكن كلَّما تجنبتها أكثر، قلَّت مهارات التأقلم التي تطورها؛ وكلما قلَّت قدرتك على التأقلم، زاد خوفك من هذه المشاعر؛ حيث يدخلنا هذا في دوامة لا تنتهي من الكبت؛ وقد يلجأ بعضنا في كثير من الحالات إلى أساليب أخرى غير صحية لمحاولة التعامل معها، بما في ذلك: الإدمان أو تعاطي المخدرات؛ لذا ضع هذا في ذهنك ما يأتي: إنَّنا نتطور باستمرار؛ لذا ستتطور مهاراتك في التأقلم والنضج أيضاً”.

عندما تواجه المشاعر السلبية وتتعلم مهارات التأقلم الفعالة، تشعر أنَّك أقوى وأكثر قدرة على التعامل معها في المستقبل؛ وبصفتي أمَّاً، هذا الكلام هام جداً بالنسبة إلي، فقد قرأت ذات مرة أنَّ دورنا كآباء لا يقتصر على حماية أطفالنا من خيبة الأمل فحسب، بل أن نقف إلى جانبهم عندما يتعرضون إليها؛ فإن لم يتعلم أطفالنا طرائق صحية للتأقلم مع المشاعر السلبية، سيعانون طوال حياتهم في التعامل معها.

كيف تتقبل المشاعر السلبية وتحولها إلى دوافع إيجابية؟

جرب النصائح الآتية:

1. اعترف بمشاعرك وقدِّرها:

اختبر انفعالاتك، لكن لا تدعها تستحوذ عليك؛ بل دعها تظهر وتدوم لبعض الوقت، ثمَّ تمضي وتتلاشى.

قد يحثك حدسك على تأجيل التعامل معها وكبتها عميقاً في داخلك، ولكن حالما تعترف بوجودها، ستتمكن من المضي قدماً؛ أمَّا إذا شعرت بانعدام الراحة أو الأمان حيال المستقبل، فتواصل مع طبيب نفسي أو شخص يمكنه أن يخلق مساحة آمنة لك لتتمكن من التعبير عن مشاعرك.

2. فكر في الهدف الإيجابي الكامن وراء هذا الشعور:

هل تظهر مشاعرك السلبية كإشارات تحذيرية مبكرة (أو متأخرة)، أو كدافعٍ لإحداث تغييرٍ إيجابيٍّ في حياتك، أو كعاملِ بقاءٍ أو حماية؟

عليك إذاً أن تحدد الهدف الإيجابي وراء انفعالاتك.

3. تحقق من الحالة التي تؤدي إلى ظهور مشاعرك السلبية:

قد يكون هناك أحياناً سبب يبرر مشاعرنا السلبية، لكنَّها قد تكون في أحيان أخرى في غير موضعها؛ لذا احرص على التحقق منها؛ فإن كنت تشعر بالقلق، فهل هناك سببٌ يدعو للقلق فعلاً؟ أم أنَّ هذا الشعور أصبح عادةً تلازمك؟

إذا شعرت بالغضب من شخصٍ ما، فربَّما يكون الأمر مجرد سوء تواصل أو فهم؛ أمَّا إذا كنت تشعر بالحزن أو الانكسار، فعليك أن تتحقق من الوضع قبل أن تتعمق في انفعالاتك أكثر.

4. اختر أفعالك بعن

اية:

بعد أن اعترفت وفهمت وتحققت من شعورك، فكر في الخطوة التالية التي تتخذها؛ فربَّما ستشكر شعور الخوف لأنَّه حافظ على سلامتك، أو قد تسخِّر غضبك لتتوقف عن تحمُّل أمرٍ يؤثر سلباً في حياتك أو صحتك؛ كما عليك أن تستخدم شعورك بالإحباط لتمضي قدماً نحو طريق جديد، أو أن توظف شعورك بالذنب لتصوب خطأً ما.

قد يكون جل ما عليك فعله أحياناً هو إحساسك بهذه المشاعر فقط، فلا بأس بهذا أيضاً.

متى تصبح المشاعر السلبية مشكلة؟

سأكون مقصرة إن لم أذكر المستويات المتفاوتة للمشاعر السلبية التي يمكن أن نعاني منها؛ فإذا زاد شعورنا بالذنب عن حده، يتحول إلى إحساس بالعجز، ويتحول الحزن الشديد إلى اكتئاب، والغضب الشديد إلى سخط، والخوف المفرط إلى قلق.

إنَّه لمن الطبيعي أن تختبر مستوى معيناً من هذه المشاعر السلبية، ولكنَّ المعاناة المستمرة والمفرطة بسببها تشير إلى ضرورة معالجة مشكلة أكثر عمقاً؛ وإذا كانت تلازمك المشاعر السلبية باستمرار، أو كانت عواطفك تؤثر بشكلٍ كبيرٍ في حياتك، فيجب عليك التواصل مع طبيبك أو معالجك أو اختصاصي نفسي للحصول على المساعدة والدعم.

الخلاصة:

إنَّ اختبار هذه المشاعر هو ما يمنحنا إنسانيتنا؛ فماذا لو تمكنا من تجنب تسمية المشاعر السلبية بهذا الاسم؟ وماذا لو لم نعتبرها سيئة أصلاً؟ وماذا لو اعتبرناها مجرد مشاعر؟

دعونا نشعر بها فقط، ونستمع إلى همساتها، ونعترف بها، ونقدِّرها، ونتقبَّلها، ونسعى إلى فهم ما تحاول إخبارنا به حتى نتمكن من تسخيرها لعيش حياة أفضل.

السابق
أخلاقيات العمل المذهلة التي تحلى بها ألبرت آينشتاين
التالي
4 أساليب مختلفة تساعدك على التعلم بسرعة وذكاء