جيوش العالم

مراحل الفتوحات الاسلامية

مراحل الفتوحات الاسلامية

تعريف الفتوحات الاسلامية و اسبابها

هي عدة حروب خاضها المسلمون بعد وفاة الرسول محمد ضد بيزنطة والفرس والبربر والقوط في السنوات ما بين (632–732) في العهدين الراشدي والأموي، كان من نتائج الغزوات سقوط مملكة الفرس وفقدان البيزنطيين لإقاليمهم في الشام وشمال أفريقيا ومصر نشر الإسلام ونشر اللغة العربية معه ومن ثم ظهور الحضارة العربية الإسلامية.

اسباب الفتوحات الاسلامية

تُطلق عبارة الفتح الإسلامي أو الفتوحات الإسلامية على الحملات العسكرية التي نظمها المسلمون خلال مراحل التاريخ الإسلامي، وكان الغاية منها نشر الإسلام في ربوع المعمورة، وإزالة الحواجز التي تحول بين الناس ووصول رسالة الإسلام إليهم. ومن أسباب الفتوحات الاسلامية

  • نشر الدعوة الإسلامية، والعمل على تبليغ الإسلام وإيصاله لمختلف الناس، وتجدر الإشارة إلى أنّ القتال لا يُشرع من أجل الدعوة إلّا في حالتين  أولهما: رفض دعوة الإسلام والوقوف مادياً في سبيل نشرها وتبليغها والثانية: فتنة الناس في دينهم ومحاربتهم في عقيدتهم.
  • رفع الظلم ودفعه، فالواجب على المسملين رفع الظلم أينما وُجد، مهما كان الظالم أو المظلوم، فممن مميزات الشريعة الإسلامية عدالتها المطلقة؛ أي أنّ لكلّ الناس مجموعةٌ من الحقوق، دون تمييز فردٍ أو جماعةٍ أو طبقةٍ.

 

الفتوحات الاسلامية في عهد الرسول

بعد دخول أغلب أهل المدينة في الإسلام، واستقرار حال المدينة على شكل المجتمع الإسلامي الجديد؛ بدأ النبي -عليه الصلاة والسلام- بالتخطيط للدفاع عن مدينته ضد أي خطر يمكن أن يهدد الوجود الإسلامي كمرحلة أولى قبل بدء التفكير بالتوسع في نطاق الدعوة لتشمل مناطق الجزيرة العربية، وقد أرسل النبي لتحقيق هذا الهدف العديد من السرايا، وخرج على رأس عدد من الغزوات قبل غزو بدر الكبرى التي تعدّ أول احتكاك مسلّح حقيقي بين المسلمين وكفار قريش، وفيها غلب المسلمون، وذاع خبر دين الإسلام بعدها، فيما انشغلت قريش بالتجهيز للانتقام وردّ الاعتبار؛ لتتابع بعدها الموجهات بين المسلمين والمشركين، أو بين المسلمين واليهود أو النصارى في أكثر من طرف من أطراف الجزيرة قبل انعقاد صلح الحديبة في العام الهجري السادس بين المسلمين ومشركي قريش، والذي أتاح للمسلمين فرصة نشر الدعوة على نطاق واسع في ظل ظروف السلم؛ ليأتي بعدها الفتح الأهم، فتح مكة، وما تبعه من توسّع لرقعة الدولة الإسلامية بعد دخول عدد كبير من القبائل في دين الله أفواجًا؛ فاتحةً قلوبها وعقولها لهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

اهم الفتوحات الاسلامية

  • الفتح الإسلامي للأندلس وهو أهمّ الفتوحات الإسلامية في أوروبا قاطبة، وهو الفتح الذي قام به الأمويون لشبه جزيرة إيبيريا حوالي 714م بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير ونجم عنه سقوط دولة القوط الغربية، و بذلك يبدأ العصر الإسلامي في الأندلس الذي امتد 800 عام تقريبًا حتى سقوط مملكة غرناطة سنة 1492م. كان الجيش يتألف في معظمه من البربر، وكان بقيادة طارق بن زياد، نزلوا في عام 711 هـ بجبل طارق، واتخذت الحملة طريقها شمالًا، بعد معركة حاسمة في وادى لكة رودريك الغاصب، حيث حدث انشقاق، حيث هزموا الورثة الشرعيين للعرش، انقسمت مملكة القوط الغربيين إلى ممالك دانت بالولاء للأمويون، وعلى مدى العقد التالي فتحت كذلك معظم شبه الجزيرة الأيبيرية وأضحت تحت السيادة الإسلامية، باستثناء المناطق الجبلية في الشمال الغربي، التي دافعت بنجاح عن طريق الباسك بمساعدة الفرنجة، أصبحت الأراضي المتبقية تتبع الخلافة في قرطبة، وهو جزء من التوسع للإمبراطورية الأموية
  • فتوحات أبي بكر الصديق بعد انتهاء حروب الرّدّة بدأت السنين الطويلة من الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، فأرسل الخليفة خالد بن الوليد على رأس الجيش إلى العراق، وكان حريصًا على فتح المناطق التي تنزلها قبائل العرب، فبدأ بفتح أدنى العراق، فيما أرسل الخليفة الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم ليغزو العراق من أعلاه ، حتى يلقى خالدًا في الحيرة ، فتكون جيوش الفرس في هذه الحالة مرتبكة بين فكّي كماشة .خاض جيش خالد معركته الأولى ” ذات السلاسل ” التي هزم فيها الفرس شر هزيمة، وكانت علامة فارقة في الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين؛ بدأ بعدها تهاوي إمبراطورية الفرس، وتلاحقت المعارك في العراق، ففتح جيش خالد الثني والبصرة والولجة، ثم فتح أليس وأمغيشيا، ليتجه المسلمون بعدها ناحية الحيرة؛ حيث قضى خالد على جيوشها التي خرجت لقتالهم خارج المدينة، ودخل المدينة فصالح أهلها، وأجزلوا له العطايا، فاحتسبها الخليفة أبو بكر من مال الجزية تعففًا، وبفتح الحيرة انهارت معنويات الفرس وانكسرت شوكتهم.بعد ذلك  استخلف خالد على الحيرة “القعقاع بن عمرو التميمي” ، وساند عياض بن غنم في فتح الأنبار، ثم فتح عين تمر، ثم تابع قتال الفرس ومن ساندهم من العرب، ففتحوا دومة الجندل والزميل، ثم قصدت جيوش خالد منطقة الفارض على تخوم الشام؛وفي الفارض تحالف العرب والفرس والروم، إلا أن المسلمون انتصروا عليهم و ختموا بتلك المعركة سلسلة انتصاراتهم في العراق ، ولم تقم بعدها للفرس في العراق شوكة يخشاها المسلمون أبدًا.كانت رغبة النبي عليه الصلاة والسلام في فتح بلاد الشام حاضرة منذ معركة مؤتة وغزوة تبوك، ثم في تجهيز جيش أسامة، ومع انتهاء حروب الردة ، وفي بداية الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر ، أرسل الخليفة أربع جيوش برئاسة يزيد بن أبي سفيان الذي استلم راية القيادة من خالد بن سعيد الذي بقي في تيماء جنوب الشام، والجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة، وهدفه بصرى، والجيش الثالث بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وهدفه حمص، وخرج على رأس الجيش الرابع عمرو بن العاص وهدفه فلسطين .إلا أن المواجهة مع الروم في الشام كانت صعبة ،حيث كان لديهم جيشان كبيران ، واحد في فلسطين، والآخر في أنطاكية، وقد توغلت جيوش المسلمين في أراضي الشام، وانتصر المسلمون على جموع الروم في مؤاب، ثم في داثن وغيرها من المعارك، قبل أن يتلقى جيش خالد بن سعيد هزيمة عند مرج الصفّر.بعد الهزيمة حشد الروم قواتهم ، إلا أن الجيوش الإسلامية أعدت خطة مضادة لهم ، فاقترح عمرو بن العاص أن تجتمع الجيوش جنوب بلاد الشام تاركة جميع ما كسبته لتتجنب أي معركة غير متكافئة مع جموع الروم، فتجمع المسلمون بالقرب من بصرى، وأرسلوا لأبي بكر في المدينة يعلمونه بخطتهم، فأدرك الخليفة حرج أمر المسلمين في جبهة الشام، وضرورة وجود قائد فذ، فأرسل إلى خالد الذي حقق المراد الآني في العراق، فانتقل خالد بقسم من الجيش إلى الشام، وفتح في طريقه تدمر، ثم القريتين وحوارين ، ثم اجتمع بالجيوش الثلاثة الأولى وتمّ فتح بصرى صلحًا بعد الحصار ، ثم قرر القادة مؤازرة جيش عمرو بن العاص في أجنادين ، حيث حقق المسلمون فيها نصرًا عظيمًا في الوقت الذي اشتدّ فيه مرض أبي بكر الصديق حتى فارق الحياة .
  • فتوحات عمر بن الخطاب انسحبت جيوش الروم بعد معركة أجنادين إلى دمشق وفي الأثناء تلقى أبو عبيدة بن الجراح خبر وفاة الصديق وخلافة عمر بن الخطاب ومعها عزل خالد من القيادة وتوليّه قيادة الجيوش بأمر الخليفة الجديد فأخفى الخبر عدة أيام، وأحسن قيادة الجيش، وتقسيمه بين القادة، وبدأت مرحلةٌ جديدةٌ من الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الرشادين، فانتصروا المسلمون على الروم في معركة الفحل بفلسطين، ثم في مرج الروم وحاصروا دمشق وفتحوها بعد حوالي سبعين يومًا، ثم فتحت بعلبك وبعدها حمص وحماه ومعرّة النعمان وأفاميا، ثم خفّت وتيرة الفتوحات قبل أن يرسل هرقل جيشًا ضخمًا اضطر المسلمون بسببه لسحب قواتهم جنوبًا نحو وادي اليرموك الذي شهد أعظم المعارك الإسلامية ضد الروم. تقهقرت الإمبراطورية بعد معركة اليرموك إلى الشمال، ففتح المسلمون المدن تباعًا؛ حلب والحاضر وقنسرين وأنطاكيا وصولًا إلى حدود الأناضول، ثم استكملوا فتح مدن الساحل السوري، وفتحت بيت المقدس بعد الحصار، وتسلم عمر بن الخطاب مفاتيح المدينة على شروط العهدة العمرية، ثم انتشر بين المسلمون طاعون عظيم بدأ من بلدة عمواس في فلسطين، فقضى الآلاف، وبينهم خيرة الصحابة، وعلى رأسهم قائد الجيش أبو عبيدة، ثم فتحت قيسارية، وفي أواخر أيام عمر استعاد الروم بعض مدن الساحل السوري. شهدت خلافة بن الخطاب اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية ، حيث أرسل جيشا لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص الذي استفاد من  الأوضاع السياسية المتردية في مصر تحت حكم الأقباط الخاضعين لحكم الرومان ، فبدأ بالعريش ثم حاز فرما ثم توغل حتى فتح بلبيس ثم أم دنين، وأغار على الفيوم قبل أن ينتصر على جيش الروم في عين شمس ، ثم فتحت الفيوم، وبعد حصار طويل فتح حصن بابليون على وقع أنباء موت الإمبراطور الروماني هرقل ، وكان فتح بابليون من أعظم إنجازات الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين على جبهة مصر . تأخر فتح الإسكندرية التي كانت آخر معاقل الروم في مصر أشهرًا ، وقد شهدت هذه الأشهر مناوشات ومعارك صغرى ، واستعجل الخليفة أمر الإسكندرية ؛ لكنها استعصت فشدّد عمرو بن العاص الخناق عليها ، وتختلف الروايات في كيفية فتحها سلما أم حربا ؛ لكن المسلمون حازوا بها غنائم لا تحصى دون أن يجبروا أهل المدينة على ترك دينهم، وفي أواخر عهد عمر فتح عمرو بن العاص برقة وطرابلس الغرب . استأنف عمر الفتوحات في جبهة العراق وفارس، فانتصر المسلمون في معركة النمارق والسقاطية وباقسياثا قبل أن يتعرضوا للهزيمة في معركة الجسر التي ثأر المسلمون لها بعد ذلك في معركة البويب قبل معركة القادسية الكبرى على وقع الخلافات حول الحكم في فارس، وبعد القادسية سقطت بابل وبهرسير، ثم اتجه المسلمون إلى المدائن عاصمة الفرس، ودخلوا القصر الأبيض سلمًا دون مقاومة ، واستمرت المعارك حتى انهيار إمبراطورية الفرس الساسانية بشكل كامل فتح المسلمون بعد ذلك  الأهواز ورامهرمز وتستر والسوس وجندي سابور ونهاوند وأصبهان والري وقومس وجرجان وطبرستان وأذربيجان وجميع بقاع إيران ، وفي الشمال اتسع نفوذ المسلمين وصولًا إلى أرمينيا، وخضعت السلطة السياسة الأرمينية لشروط المسلمين مع حفاظها على طابعها المسيحي، فانحسر نفوذ الروم في تلك المناطق، ووصل المسلمون إلى شواطئ البحر الأسود ليقطعوا أي صلة بين الروم والفرس الذين تنافسوا في فترات سابقة على أرمينيا.
  • فتوحات  عثمان بن عفاناختلفت الفتوحات الإسلامية في هذه الفترة ، حيث ازداد الاهتمام بالأسطول البحري مع سقوط عدة مدن ساحلية بيد الحملات البحرية الرومانية  آخرها الإسكندرية في مصر، فاستأذن والي الشام معاوية بن أبي سفيان الخليفة، وجهز الأسطول بعد استعادة مدن الساحل الشامي، ثم انطلقت حملات المسلمين لفتح جزيرة قبرص وغيرها من الجزر كأرواد ورودس؛ لتتكلل الجهود البحرية بنصر عظيم في معركة ذات الصواري ضد مئات السفن الرومانية .اتسع نفوذ المسلمين شمالًا في بلاد أرمنينا، وتقدموا في إفريقيا بقيادة عبد الله بن أبي السرح الذي أرسل السراية ، ثم سار بنفسه نحو قرطانجنة، ففتحها بعد وصول الإمدادات من الخليفة، ثم دخل سبيطلة وقفصة وحصن الأجم مكتفيًا بهذا القدر بعد أن خبر القتال في إفريقيا، وتعرف على طبيعة البلاد وأهلها؛ ليعود بعد ذلك لغزو بلاد النوبة جنوب مصر، حيث هادن أهلها على عقود تجارية لتبادل المؤن.

 

الفتوحات الاسلامية في افريقيا

فقد كان فتح مصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكانت مصر هي قاعدة الفتح لإفريقيا الشمالية بعد أن انتشر فيها الإسلام ، وأما بلاد المغرب العربي فبدأ فتحها في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وبدأ ذلك سنة 27 للهجرة على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه ، فغزاها في 20 ألفا ، فيهم جماعة من وجوه الصحابة منهم عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم ، وقد أحصى أبو العباس أحمد بن خالد الناصري صاحب ( الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ) من شهد فتح المغرب من الصحابة الكرام ، فسرد أسماءهم في خمس صفحات كاملة .

وفتح عبد الله بن سعد مدينة ( سبيطلة ) الرومانية وما يحيط بها ، وما زالت هذه المدينة معروفة باسمها حتى الآن وتقع في الجنوب الشرقي لتونس ، وكانت هي المأوى المنيع لبقايا الرومانيين ، وفي هذه المعركة قتل عبد الله بن الزبير ملك البربر “جرجير ” وكان ذلك سبب انهزام البربر مع كثرة عددهم ، الذي بلغ في هذه المعركة 120 ألفا ، وقيل 200 ألف ، وكان هذا الفتح سبباً لمعركة ذات الصواري الشهيرة التي وقعت سنة 31 هــ ، فإن الروم لما سمعوا بفتح تونس اغتاظوا من ذلك كثيراً ، واجتمعوا على قسطنطين بن هرقل ، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام ، وقصدوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومن معه من المسلمين في بلاد المغرب ، فلما تراءى الجمعان بات الروم يصلبون ، وبات المسلمون يقرؤون القرآن ويصلون ، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفاً في المراكب ، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن ، قال بعض من حضر ذلك : فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب وتعداد صواريها ، واختار الروم القتال في البحر وكانت معركة شديدة قتل فيها من المسلمين بشر كثير ، ومن الروم أضعاف ذلك ، وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل فكانت مثل الجبل العظيم ، وغلب الدم لون الماء ، وصبر المسلمون يومئذ صبراً لم يعهد مثله قط ، ونصر الله عباده المسلمين نصراً مؤزراً ، وفر قسطنطين وبه جراحات شديدة ، ولم ينج من الروم إلا الشريد ، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياماً ، ثم رجع مؤيداً منصوراً مظفراً ، وللمزيد من التفصيل راجع تاريخ الطبري 2/619 ، والبداية والنهاية 10 / 237 ـ 138 ، وكان لهذا النصر أثره الكبير في تثبيت الإسلام في الشمال الأفريقي .

ثم وجه معاوية رضي الله عنه في خلافته جيشاً بقيادة معاوية بن حديج الكندي رضي الله عنه والي مصر ، فوسع رقعة الفتح إلى أبعد مما كان في الفتح الأول ، وغزا صقلية من البحر ، ومكن للإسلام في تلك القطعة المفتوحة ، ثم ولى معاوية رضي الله عنه على فتوح إفريقية عقبة بن نافع الفهري الفاتح العظيم ، وأمره أن يتوسع في الفتوحات لنشر الإسلام والتمكين له ، فرأى عقبة أن يؤسس عاصمة للمسلمين ، تكون منطلق الفتوحات الإفريقية ، فأسس مدينة القيروان المشهورة إلى الآن ، وكان ذلك عام 50 هــ (670 م ) كما في البداية والنهاية 11 / 215 .

ثم جاء بعد عقبة مسلمة بن مخلد والي مصر ، فولى على إفريقية مولاه أبا المهاجر ديناراً ، فنشر الإسلام وتوسع في الفتوحات حتى وصل إلى تلمسان ، وهي آخر حدود الجزائرمع المغرب الآن ، ثم أكمل الفتح عقبة بن نافع في ولايته الثانية التي توغل فيها إلى أن بلغ طنجة وأدخل قوائم فرسه في البحر على شاطئ المحيط الأطلنطي ، وقال لأصحابه ارفعوا أيديكم ففعلوا وقال : اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً ، وإنك لتعلم أنما أطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيء ، اللهم إنا معاندون لدين الكفر ، ومدافعون عن دين الإسلام ، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام . ذكر ذلك الناصري في الاستقصا 1 / 36 ، ولما رجع من هذه الفتوح البعيدة المدى والأثر ، قدر له أن يموت شهيداً في معركة بينه وبين البربر بجبل الأوراس ، فتعرضوا له في سفوح هذا الجبل واستشهد هو وأصحابه ، ودفن في محل يعرف باسمه إلى الآن ، وتقع مدينة ” عقبة بن نافع ” في ولاية بسكرة في الجنوب الشرقي من الجزائر .

وشأن الفتح الإسلامي لإفريقيا على يد هؤلاء الأبطال عجيب ، فقد تم في ثلاث سنوات تقريباً ، وبسط الإسلام ظله على تلك الأقطار الواسعة ذات الأمم التي لا يحصيها إلا الله ، من حدود ليبيا إلى شواطئ المحيط الأطلسي ، مع وعورة المسالك وقلة عدد المسلمين ، وكثرة أعدائهم وجهل الفاتحين بمعالم الوطن ، وبعادات أهله ولغتهم ، ولكنه الإيمان والإخلاص وصدق العزيمة ، ولم تزل هذه الغرائب التي صاحبت الفتح الإسلامي مثار دهشة المؤرخين من المسلمين وغيرهم .

وجاء بعد عقبة نفر يعدون من بناة التاريخ الإسلامي بالشمال الأفريقي ، منهم زهير بن قيس البلوي ، وحسان بن النعمان الغساني ، الذي تم على يديه مع فتح البلدان فتح العقول ، وجمع بين المقدرة الحربية والذكاء السياسي والملكة الإدارية ، وأفاض على الناس عدل الإسلام وإحسانه ، وبدأت في أيامه فكرة فتح الأندلس ، الذي حققه بعده موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد الليثي عام 92 هــ

وازداد استقرار الإسلام في هذه المناطق ، وتعربت إثر غارات لبني هلال بن عامر بن صعصعة ، في أواسط القرن الخامس ، ويقدر المؤرخون عددهم بربع مليون من العرب ، استقروا هناك وخالطوا البربر ، ثم جاء بعدهم بنو سليم واستوطنوا تلك البقاع قال محمد البشير الإبراهيمي في آثاره 5 / 101 : (( وكانت الغارة الهلالية هي المعربة الحقيقية للشمال الأفريقي وجباله وقراه وخيامه )) وكان استقرار الإسلام في الشمال الأفريقي بداية لتغلغل الإسلام إلى جنوب الصحراء أو ما يعرف بأفريقيا السوداء ، والحقيقة أن أول اتصال بين الإسلام وأفريقيا السوداء ، كان منذ فجر الإسلام الأول ، وذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ( إثيوبيا اليوم ) وكان من آثار هجرتهم هذه إسلام ملكها النجاشي رضي الله عنه ، وتجدر الإشارة إلى أن التجار المسلمين قد قاموا بدور بارز في نشر الإسلام في أفريقيا السوداء على العموم ، فقد كانت الطرق التجارية الموصلة بين المراكز الإسلامية في شمال القارة والبلاد الواقعة فيما وراء الصحراء هي المسالك الحقيقية التي تسرب الإسلام عبرها إلى قلب إفريقيا . وكذا الأمر بالنسبة للطرق التجارية على طول ساحل المحيط الأطلسي ، فقد قامت هذه الطرق بدور جليل الشأن في نشر الإسلام في بلاد السنغال وأعالى النيجر ومنطقة بحيرة تشاد ، كذلك كان شأن الطرق التجارية التي تصل وادي النيل ببلاد السودان وشرق إقريقية .

وقد دخل الإسلام إلى أفريقيا السوداء من عدة طرق :

1 ـ طريق باب المندب والبحر الأحمر : وعن طريقه انتشر الإسلام في القرن الأفريقي وأفريقيا الشرقية ، وكان اتصال العرب ، بالساحل الشرقي لأفريقيا قديماً قبل الإسلام ، لقربه من جزيرة العرب ، واستقر الكثير من المهاجرين والتجار العرب في هذه المناطق واختلطوا بأهالي البلاد ، وأثروا فيهم ، إلا أن التأثير الحقيقي كان بعد الإسلام ، وقوي التواصل بين الطرفين ، وكان الانتقال بين ضفتي البحر الأحمر مألوفاً أيضاً قبل الإسلام ، وقوي بعد الإسلام كمعبر قريب إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج .

2 ـ عن طريق جنوب مصر : وانتشر الإسلام عن طريقها إلى بلاد النوبة والبرنو .

3 ـ عن طريق المغرب العربي : ووصل الإسلام عبر هذا المحور إلى أفريقيا الغربية والوسطى ، وقد اتسع انتشار الإسلام في غرب أفريقيا على يد المرابطين في القرن الخامس الهجري ، وقامت هناك دول وممالك إسلامية .

 

نتائج الفتوحات الاسلامية في عهد الخلفاء الراشدين

استمدّ المسلمون كل هذا الصبر والبسالة أثناء الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين من مبادئ الإسلام، وقد نالوا المراد، وحققوا الأهداف التي خرجوا من أجلها بأموالهم وأنفسهم، وكانت نتائج الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين مفاجئة لجميع الأمم والإمبراطوريات والشعوب، وأقرّ أغلب هؤلاء أن المسلمين أصحاب رسالة حقّة أيدها الله لتبليغ دينه، وكان من أهم نتائج التي حققتها الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين: دخول جميع قبائل الجزيرة العربية في الإسلام إلا قليلًا. تبليغ رسالة الإسلام إلى نصارى العرب في الشام والعراق، حيث دخلت أعداد كبيرة منهم في الدين الجديد. إعلاء كلمة التوحيد في أراضي أعظم امبراطوريتين في تلك المرحلة الفرس والروم، ودخول أعداد كبيرة من شعوبهم في الإسلام بعد أن اطمأنوا لعدالة رسالة الإسلام، وعدم تفريقها بين الشعوب والأجناس. توسيع رقعة الدولة الإسلامية ما ساعد المسلمين على إرسال المزيد من السفارات والدعوات إلى ملوك وشعوب العالم.

السابق
هل يستطيع النمل الدخول من الانف
التالي
الزنك